فوزي آل سيف

81

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

قضى عمار بن ياسر شهيداً في ركاب ولاية أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام، وهل كان يليق به غير الشهادة؟ لو مات على فراشه لتأخر عن والديه، ولما كملت درجاته، وبقيت سيرته كحسرة أمير المؤمنين عليه السلام عليه حيَّة، حيث عاد إلى الكوفة ليؤبنه بأكثر من مقال، فتارة يقول: "إنَّ امرَأً مِنَ المُسلِمِينَ لَم يَعظُم عَلَيهِ قَتلُ ابنِ ياسِرٍ وتَدخُلُ بِهِ عَلَيهِ المُصِيبَةُ المُوجِعَةُ لَغَيرُ رَشِيدٍ. رَحِمَ اللَّهُ عمارًا يوم أسلم. ورحم الله عَمّارًا وما يُذكَرُ مِن أصحاب رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله أربَعَةٌ إلا كانَ رابِعًا ولا خَمسَةٌ إلا كانَ خامِسًا.[221] وأخرى يتحسر عليه وعلى نظرائه من الأصحاب الشهداء، "...أين إخواني الذين ركبوا الطريق، ومضوا على الحق، أين عمار وأين ابن التّيِّهان، وأين ذو الشهادتين، وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة. ثم ضرب عليه السلام بيده على لحيته الشريفة الكريمة، فأطال البكاء، ثم قال: أوّه على إخواني الذين قرأوا القرآن فأحكموه، وتدّبروا الفرض فأقاموه، أحيوا السنّة، وأماتوا البدعة، دعوا للجهاد فأجابوا، ووثقوا بالقائد فاتبعوه". المهاجر بن خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي شهيد صفين نقطة مشعة في أسرة كانت أجيالها السابقة عليه لا تساعده على أن يكون في هذا الموقع وهو موقع الشهادة مع أمير المؤمنين عليه السلام. ولقد كان له من اسمه نصيبٌ، فهو المهاجر فعلًا، هاجر خط أسرته وارتباطاتها ومصالحها إلى الله ورسوله ووليه.. فلنكن مع أسلافه أولًا وأقاربه حيث أحيط بدائرة غير منسجمة مع الخط الرسالي العلوي. وبالرغم مما نقل عن أمير المؤمنين عليه السلام في الثناء على أسرته بني مخزوم[222]إلا أن ذلك لا يتصل بالضرورة بالتقييم العقدي والدور الإيماني لتلك الأسرة. الوليد بن المغيرة المخزومي: جدّ المهاجر هو أحد المستهزئين الذين نزلت فيهم الآية المباركة (إِنَّا كَفَينَاكَ المُستَهزِئِينَ (*) الَّذِينَ يَجعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوفَ يَعلَمُونَ)[223]وصاحب القصة المعروفة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، ورسول قريش (لإقناع) النبي بترك دعوته للتوحيد، والمفاوضة معه للتوقف عن مهاجمة ديانة قريش وأصنامهم فها هو يأتي إلى النبي صلى الله عليه وآله، ثم يعود لكبار قومه من قريش فقالَ: قَد سَمِعتُ الشِّعرَ رَجَزَهُ وقَرِيضَهُ ومُخَمَّسَهُ فَما سَمِعتُ مِثلَ هَذا الكَلامِ يَعنِي القرآن ما هُوَ بِشِعرٍ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةً وإنَّ عَلَيهِ لَطَلاوَةً وإنَّ لَهُ لَنُورًا وإنَّ لَهُ لَفَرعًا وإنَّهُ لَيَعلُو وما يُعلى "[224].. فقالوا: فهذا سحر الأولين اكتتبه، قال: لا أدري

--> 221 ) المصدر/ 198 222 ) الشريف الرضي: نهج البلاغة، خطب الإمام علي تحقيق صبحي الصالح ص:٤٩٠ وسُئِلَ عليه السلام عَنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ:" أَمَّا بَنُو مَخْزُومٍ فَرَيْحَانَةُ قُرَيْشٍ نُحِبُّ حَدِيثَ رِجَالِهِمْ والنِّكَاحَ فِي نِسَائِهِمْ.. " وبالطبع هذا الحديث وأمثاله لا بد أن يؤخذ مع ملاحظة القرائن الزمانية والمكانية التي تحف به، فإن حديثهم عليهم السلام على أقسام؛ فمنه ما يكون لبيان الأحكام الشرعية وينطبق عليه " حلال محمد حلال إلى يوم القيامة" وهذا لا يتأثر بزمان أو مكان، وهناك ما يكون على نحو القضاء في قضايا (واقعية وخارجية) فلا تتعدى موردها مثل ما روي أن النبي قال لأحدهم في قضيةٍ: أنت ومالك لأبيك! ومنها ما تحف به قرائن تجعل دائرته ضيقة، مثل روي عن النبي من قوله: خير نساءٍ ركبن الإبل نساء قريش.. فقد ذكر في عدة مناسبات لعل أولاها ما ذكره الواقدي في المغازي 2/ 867 مما وقع بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن عبادة حيث قال سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ: قَدْ كانَ يُذْكَرُ لَنا مِن نِساءِ قُرَيْشٍ حُسْنٌ وجَمالٌ، ما رَأيْنا هُنّ كَذَلِكَ! قالَ: فَغَضِبَ عَبْدُ الرّحْمَنِ حَتّى كادَ أنْ يَقَعَ بِسَعْدٍ وأغْلَظَ عَلَيْهِ، فَفَرّ مِنهُ سَعْدٌ حَتّى أتى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، ماذا لَقِيت مِن عَبْدِ الرّحْمَنِ! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وماله؟ فَأخْبَرَهُ بِما كانَ. قالَ: فَغَضِبَ النّبِيّ صلى الله عليه وآله حَتّى كانَ وجْهُهُ لَيُتَوَقّدُ، ثُمّ قالَ: رَأيْتهنّ وقَدْ أُصِبْنَ بِآبائِهِنّ وأبْنائِهِنّ وإخْوانِهِنّ وأزْواجِهِنّ، خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ نِساءُ قُرَيْشٍ! أحْناهُ عَلى ولَدٍ، وأبْذَلُهُ لِزَوْجٍ بِما مَلَكَتْ يَدٌ! 223 ) الحجر:95ـ 96 224 ) الأصبهاني؛ أبو نعيم: دلائل النبوة ١/‏٢٣٤